موقع جريدة الصباح - يومية مغربية شاملة

Saturday, Jul 26th

أنت هنا في :

esjc assabah

دراسة في القانون : الطبيعة القانونية للأمر بالإفراج الصادر عن قاضي التحقيق

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF
 محمد مسعودي

المشرع لطف من أثر استئناف النيابة العامة للأوامر بالإفراج المؤقت

دأب العمل القضائي في قضاء التحقيق بعدد من محاكم المملكة على استعمال السادة قضاة التحقيق في أوامرهم بشأن انتهاء التحقيق لعبارة: «الإفراج الفوري عن المتهم ما لم يكن معتقلا لسبب آخر»، أو  «نأمر بالإفراج حالا عن المتهم ما لم يكن معتقلا لسبب آخر» وهي عبارة على بساطتها ووضوحها لغويا من حيث دلالة الألفاظ والكلمات المستعملة،  تثير عددا من الإشكالات أمام الممارسين في النيابة العامة وقضاة التحقيق على حد السواء من حيث مدلولها القانوني ،  خاصة بمناسبة ممارسة النيابة العامة لحقها في الطعن بالاستئناف ضد الأوامر الصادرة عن قاضي التحقيق.

يعد الإفراج الفوري أثرا مباشرا للتصريح بالأمر بعدم المتابعة كليا، حسب مفهوم المادة 216 من (ق م ج)، حتى لو لم يرد التنصيص عليه في منطوق أمر قاضي التحقيق، لأن القانون هو من رتّب هذا الأثر، أما الإفراج المقرون بالأمر بالإحالة أو عدم المتابعة جزئيا الصادر عن قاضي التحقيق، فيظل بطبيعته إفراجا مؤقتا تلقائيا تحكمه مقتضيات المواد 178 و183 و184 و222 من (ق م ج)، وليس إفراجا فوريا، أمر به قاضي التحقيق من تلقاء نفسه، ولم يأمر به القانون – م 216 و217/ فقرة 1 من (ق م ج)- بدليل ما يلي:
* أن قاضي التحقيق بتقريره عدم متابعة المتهم جزئيا وإحالته على المحكمة وفقا للمادتين 217 و219 من (ق م ج)، لا يحسم في مصير الدعوى العمومية، كما هو الحال بالنسبة إلى الأمر بعدم المتابعة كليا – مادة 216 من (ق م ج)- بل بالكاد يؤذن بانطلاقها ويعطيها نفسا جديد بموجب أمره بالإحالة على المحكمة، لتبدأ مرحلة المحاكمة من قبل جهة قضائية أخرى والتي يعود لها وحدها أمر التقرير والحسم في مصير الدعوى العمومية والتقرير في الوضعية الجنائية للمتهم بعد رفع قاضي التحقيق يده عن ملف القضية. فبالأحرى لو تعلق الحال بالأمر بالإحالة.
* أن التساؤل يظل مشروعا حول ماهية ضمانات امتثال المتهم لحضور إجراءات المحاكمة، على فرض الإقرار تجاوزا بكون الأمر بالإحالة أو عدم المتابعة جزئيا مع الإفراج يرتب أثر الإفراج الفوري رغم استئناف النيابة العامة.
* أن التسليم بأن الإفراج الفوري يعد لازمة متلازمة مع جميع أوامر قاضي التحقيق بشأن انتهاء التحقيق، كيفما كان نوعها، حتى لو تعلق الأمر بعدم المتابعة جزئيا أو بالإحالة، يؤدي حتما إلى الإخلال بمبدأ فصل السلط وتوازنها الذي ينبغي أن يسود العلاقة القائمة بين سلطة الاتهام الممثلة للحق العام (النيابة العامة) وبين سلطة التحقيق (قاضي التحقيق) كضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة، ويعتبر في الوقت نفسه مسا صارخا بحق النيابة العامة في ممارسة ومراقبة الدعوى العمومية، منذ مرحلة البحث التمهيدي ومرورا بمرحلة التحقيق الإعدادي إلى غاية مرحلة المحاكمة بكافة درجاتها.
* إن الإفراج المؤقت، سواء أكان تلقائيا أو بناء على طلب يمكن الأمر به من قبل قاضي التحقيق خلال كافة مراحل التحقيق وإلى غاية إنهائه، لأن المقصود بالتأقيت، ليس هو مرحلة التحقيق الإعدادي بعينها بل يمتد في حالة الأمر بالإحالة والأمر بعدم المتابعة جزئيا إلى مرحلة المحاكمة، أو بعبارة أخرى طالما أن الدعوى العمومية ما زالت جارية في مواجهة المتهم ولم يحسم في مصيرها بعد إن بالإدانة أو البراءة، فإن الإفراج عن المتهم يكون مؤقتا، وليس فوريا. بدليل ما يلي:
- أن المادة 220 من (ق م ج)، المنظمة لصلاحيات النيابة العامة في استئناف الأمر بالإفراج المؤقت، وردت ضمن مقتضيات الباب الثالث عشر المتعلق بالأوامر القضائية بشأن انتهاء التحقيق، من القسم الثالث من الكتاب الأول من قانون المسطرة الجنائية، وفي ذلك إشارة صريحة من المشرع إلى أن الأمر بالإفراج المؤقت لا يتعلق بمرحلة سير التحقيق فقط، بل يشمل حتى مرحلة انتهائه.
- إن المادة 178 من (ق م ج) أعلاه ألزمت المتهم بعد منحه الإفراج المؤقت التلقائي من قبل قاضي التحقيق «بالحضور لجميع إجراءات الدعوى كلما دعي لذلك.» والمقصود بالدعوى طبعا هو الدعوى العمومية التي تشمل التحقيق الإعدادي ومرحلة المحاكمة.
- إن المشرع استعمل مصطلح الإفراج المؤقت نفسه عند حديثه عن صلاحية المحكمة أو هيأة الحكم للبت في طلبات السراح المؤقت المقدمة أمامها طبقا لمقتضيات المادتين 180 و181 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية، وفي هذا دليل قاطع على أن الإفراج المؤقت يشمل جميع مراحل الدعوى العمومية في حالة الأمر بالإحالة على قضاء الحكم، ولا وجود للإفراج الفوري سوى في حالتي الأمر بعدم المتابعة كليا طبقا للمادة 216 من (ق م ج) والإحالة من أجل مخالفة فقط طبقا للفقرة الأولى من المادة 217 من قانون المسطرة الجنائية.
4 - سلطة النيابة العامة في الموافقة على الإفراج المؤقت عند انتهاء التحقيق.
حيث إنه إذا كان يترتب عن استئناف النيابة العامة للأمر بالإفراج المؤقت الصادر عن قاضي التحقيق طبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 222 من قانون المسطرة الجنائية، إبقاء المتهم رهن الاعتقال إلى حين البت من قبل الغرفة الجنحية في الاستئناف المرفوع إليها، فإنه يظل دائما بإمكان النيابة العامة طبقا لمقتضيات الفقرة الثالثة من المادة المذكورة نفسها «الموافقة على الإفراج الفوري عن المتهم».
ويلاحظ هنا أن المشرع لطف من أثر استئناف النيابة العامة للأوامر بالإفراج المؤقت، ولم يجعله موقوفا على ضرورة إبقاء المتهم رهن الاعتقال إلى حين بت الغرفة الجنحية في الاستئناف، بأن منح للنيابة العامة سلطة تقديرية من أجل الموافقة على الإفراج فورا عن المتهم رغم الاستئناف، وهذا في حد ذاته يعتبر ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة المسطرة لفائدة المتهم، وردا في الوقت نفسه على بعض المترددين في التسليم برجاحة أسانيد الاتجاه الثاني بدعوى إن القول بالإبقاء على المتهم رهن الاعتقال بعد استئناف النيابة العامة للأمر بالإفراج المقرون بالأمر بالإحالة أو عدم المتابعة جزئيا وعدم اعتباره إفراجا فوريا من شأنه التعسف في حق المتهم والشطط في حقّه وإبقائه في السجن .
ب- في ما يخص الأسانيد الواقعية
تؤدي مسألة الإقرار بكون الإفراج الفوري يعد أثرا مباشرا حصريا للأمر بعدم المتابعة كليا والأمر بالإحالة من أجل مخالفة، إلى تحقيق منفعتين رئيسيتين، أولاها ضمان حسن سير العدالة، وثانيها ضمان مصلحة المتهم نفسه.
1- ضمان حسن سير العدالة
تخلق الأوامر بالإفراج الفوري المقرونة بعدم المتابعة جزئيا أو الإحالة، التي يتم التصدي لها من قبل الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بالإلغاء الجزئي مع التصريح بالإحالة في حالة اعتقال بناء على استئناف النيابة العامة، مجموعة من الاشكالات الواقعية التي تؤثر على حسن سير العدالة:
أولها، تنفيذ قرار الغرفة الجنحية بإحالة المتهم في حالة اعتقال، والذي يقتضي من النيابة العامة إصدار أمر بإلقاء القبض وتتبع تنفيذه إلى حين القبض على المتهم وإحالته رفقة ملف القضية على المحاكمة في حالة اعتقال، وهو الأمر الذي لا يتأتى تحقيقه في كثير من الحالات بحكم اختفاء المتهم عن الأنظار بمجرد الإفراج عنه، على النحو الذي يمس بحسن سير العدالة، حيث يظل ملف القضية في رفوف المحكمة دون تعيين وبت، وتبقى حقوق الطرف المدني معلقة إلى حين القبض على المتهم هذا إن لم تتقادم الدعوى العمومية.
ثانيها، يتعلق بحالة تعدد المتهمين المعتقلين في ملف واحد، حيث يحال الملف برمته على الغرفة الجنحية بمناسبة استئناف مثلا الأمر بعدم المتابعة جزئيا المقرون بالإفراج في حق متهم واحد فقط.

  بقلم: محمد مسعودي ,باحث في القانون

صف الدكتوراه في القانون الخاص

: