دراسة في القانون: الإجراءات الجنائية بين السرية والعلنية (2/3)

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

 

اتصال المحامي بموكله يجب أن يتم في ظروف تكفل سرية المقابلة

 

من المؤكد أن سرية الإجراءات الجنائية بشكل عام ترمي إلى تحقيق مجموعة أهداف تتعلق بالمصلحة العامة، منها على الخصوص ضمان فعالية ما تقوم به الضابطة القضائية من مهام وإجراءات وتحريات أثناء البحث التمهيدي لـ: “التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة والبحث عن مرتكبيها – المادة: 18 من ق.م.ج – وكذلك الأمر بالنسبة
 إلى المجهودات التي يبذلها «قاضي التحقيق» في ما يتعلق بتحديد هوية المتهم وجمع أدلة المتابعة... الملزمون بسرية البحث والتحقيق: ويمكن الإشارة إلى أن الملزمين بسرية البحث والتحقيق هم على الخصوص ضباط الشرطة القضائية الذين يرتكبون -قانونا – جنحة الإفشاء – إن هم أفشوا أسرار التحريات أو إجراءات التقصي على بعض الأشخاص – باعتبارهم من الأمناء على الأسرار بحكم وظيفتهم، سواء منهم الذين قاموا بالتحريات وجمع الأدلة والبحث عن مرتكبي الفعل بأنفسهم أو الذين اطلعوا عليها بسبب وظيفتهم، أو تمكنوا من معرفتها عن طريق من قاموا بها أو عن طريق مساعديهم أثناء ذلك البحث.
ويلزم كذلك بكتمان السر رؤساء ورجال الضابطة القضائية لأن عملهم -بطبيعته – يجعلهم يتصلون بكيفية مباشرة بالأمناء على الأسرار، بل ويتقاسمون معهم معرفتها في الكثير من الأحيان بحكم الاحتكاك اليومي بهم،
وعلى كل حال فإن كل من يوليهم القانون ممارسة بعض مهام الشرطة القضائية – المواد: 16-17-18-19-20-21-22-23-25-26-27-29 من ق.م.ج – هم ملزمون بكتمان السر.
وأما في إطار التحقيق فإن كل المكلفين بهذا الإجراء ملزمون بالمحافظة على الأسرار سواء كانوا قضاة في النيابة العامة أو قضاة التحقيق، هم وكل من يساعدهم كالكتاب الذين بحكم مهامهم يطلعون على أسرار القبض عليه هو في طور الإعداد والتوقيع له، ويمنع في إطار هذه السرية على المحقق إفشاء أي معلومة ولو كانت الصحافة قد نشرت شيئا منها لأنه بذلك سيضفي على تلك المعلومة طابع الرسمية والتأكيد،
طائفة أخرى من الملزمين بالسرية: ويقيد واجب السرية مجموعة أخرى من غير هؤلاء نذكر منهم على الخصوص المحامين والصحافيين والخبراء
أولا: المحامي والسرية:
في مرحلة البحث التمهيدي:
المحامي حسب القانون المغربي غير مسموح له بالحضور مع موكله أثناء هذه المرحلة وبالتالي فهو بطبيعة الحال غير ملزم بكتمان أسرار لا علم له بها كما لا يفترض فيه العلم بها.
غير أنه طبقا للمادة 80 من ق م ج الحالي يحق للشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية أن يطلب من ضابط الشرطة القضائية الاتصال بمحام كما يحق لهذا الأخير الاتصال بالشخص المذكور، ولا يتم هذا الاتصال إلا بترخيص من النيابة العامة وابتداء من الساعة الأولى من فترة تمديد الحراسة النظرية لمدة لا تتجاوز ثلاثين دقيقة تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية في ظروف تكفل سرية المقابلة، كما يمنع – طبقا للمادة نفسها– على المحامي إخبار أى كان بما راج خلال ذلك الاتصال بموكله قبل انقضاء مدة الحراسة النظرية،
وهكذا يظهر أن اتصال المحامي بموكله يجب أن يتم في ظروف تكفل سرية المقابلة كما أنه لا يجوز للمحامي إخبار أي كان بما راج بينه وبين موكله خلال ذلك الاتصال مادام أن مدة الحراسة النظرية لم تنقض بعد حفاظا على سرية البحث، إضافة إلى أن المحامي يعتبر من الأمناء على الأسرار طبقا للفصل: 446 من القانون الجنائي – عدل  وتمم بالقانون: 24-03 الذي جاء فيه: «الأطباء والجراحون وملاحظو الصحة وكذلك الصيادلة والمولدات، وكل شخص يعتبر من الأمناء على الأسرار بحكم مهنته أو وظيفته إذا أفشى سرا أودع لديه...»
في مرحلة التحقيق:يجب على المحامي ألا يفشي أي شيء يمس بالسر المهني في ما يتعلق بالعلاقة بينه وبين موكله وأن يحترم إضافة إلى ذلك سرية التحقيق في القضايا الجنائية، وأن لا يبلغ أي معلومات مستخرجة من الملفات، أو ينشر أية مستندات أو وثائق أو مراسلات لها علاقة ببحث مازال جاريا. المادة 36 من القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة.
وحسب هذا النص الخاص- بالإضافة إلى النص العام الوارد في القانون الجنائي، فان المحامي ملزم بالمحافظة على أسرار التحقيق بشكل عام ما دام أن هذا التحقيق لم ينته بقرار الحفظ أو عدم المتابعة...
وهو إلزام تحت طائلة العقوبة الجنائية في حالة ثبوت مخالفته إضافة إلى المسؤولية التأديبية إن كان لها محل، وفي هذا الصدد نشير إلى أن القانون الكويتي لا ينص على معاقبة المحامي جنائيا في هذه الحالة، حالة الإفشاء، وإنما يكتفي بمساءلته تأديبيا، المادة: 35 من قانون المحاماة الكويتي.
أما في إفشاء أسرار التحقيق في القضايا الجنائية، فلا يتعلق الأمر بعلاقة المحامي بموكله، وإنما يتعلق الأمر بعلاقته بالمؤسسة القضائية وبالتالي فالسرية هنا يتسع نطاقها ليشمل ليس فقط تلك العلاقة الأولى، علاقة المحامي بموكله، وانما يشمل كذلك أسرار غيره أي غير الموكل مادام مصدرها مرتبطا بقيامه بمهامه كمحام حيث يمكن له بهذه الصفة الاطلاع على ملفات التحقيق.
وتجدر الإشارة إلى أن المسألة تتعلق بالنظام العام كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فحتى باعتبار توخي الإلزام بالسرية أثناء التحقيق مصلحة التحقيق، إضافة إلى مصلحة المشتبه فيه وحماية حقوقه في هذه المرحلة فإن موافقة الموكل على إفشاء بعض الأسرار لا يسمح، مع ذلك، بإفشائها لأن رضى المتهم لا يعتبر سببا لإباحة هذا الإفشاء لتعلقه بالنظام العام، لكن ما الأمر في حال إفشاء السر للموكل من قبل محاميه واطلاعه على مستندات وأوراق التحقيق بالخصوص؟ نعتقد أنه أمر عاد، إذا لم يكن ذلك متعلقا بتسليم صور مستندات ووثائق التحقيق للمتهم، الموكل، وإنما بمجرد الإفشاء له، شفويا، عن مضمون تلك المستندات والوثائق لممارسة حقه في الدفاع.
ويمكن التميز في هذا الصدد بين الإفشاء للمشتبه فيه قبل المتابعة الذي يعتبر جريمة يؤاخذ عليها المحامي والإفشاء للمتهم بعد صدور قرار المتابعة الذي لا عقاب عليه.
ولا بأس من الرجوع إلى الفقرة الأولى من المادة 36 من قانون مهنة المحامي، القانون رقم: 28.08، للتمييز كذلك بين «السر المهني» الذي يلزم المحامي في علاقته مع موكله وبين سرية التحقيق التي تلزم المحامي في مواجهة التحقيق كإجراء قضائي حيث يمكن للموكل أن يسمح للمحامي بإفشاء سر يتعلق به هو شخصيا ولا يمكن له ذلك متى تعلق الأمر بسرية التحقيق.

بقلم:محمد بولمان, محام بهيأة مراكش

أضف تعليق


كود امني
تحديث