دراسة في القانون: في أفق وضع قانون مغربي خاص بالاتجار في البشر (3/3)

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

 

المغرب مطالب بصياغة نص يجرم هذا الفعل

 

لقد أصبح الاتجار في البشر من أعقد وأكثر جرائم العصر الحديث  مساسا وتعديا على الكرامة الإنسانية ، وهو ما يعكسه بجلاء التقرير الدولي الأول حول الاتجار في البشر الذي أصدره مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة UNODOCفي العالم لسنة 2006، والذي توصل إلى نتيجة مفادها أنه  «لا يوجد تقريبا
 بلد محصن ضد هذه الظاهرة ، وأن هناك 127 بلدا تعتبر مصدرا لضحايا الاتجار بالبشر مقابل 137 بلدا كوجهة لهم».

نظم المشرع كذلك مسألة تشغيل المعاقين وحمايتهم وكذا تشغيل النساء والأحداث ليلا، وتعهد بمقتضى المادة 4 من مدونة الشغل بصياغة تشريع خاص بخدم البيوت.
ج/ على مستوى التشريع الجنائي.
عاقب المشرع المغربي من خلال القانون الجنائي مجموعة من السلوكات الإجرامية التي تدخل في ما يمكن وصفه بالاتجار في البشر من ذلك مثلا :
- جريمة التسول والتشرد : الفصول 327 فقرة3 – 5 و328 و330من القانون الجنائي .  
- الجرائم التي تستهدف الاعتداء على الأطفال : الفصول   466 و467 و467/1 و467/2 و467/3 و467/4 و470 و 471 و 472 و473 و474 من القانون الجنائي  .
- الجرائم التي تستهدف الاعتداء على النساء : الفصل 494 و495 و496 و497 و498 و499 و499/1 و499/2 و500 و501 و 501/1 و502 و503 و503/1 من القانون الجنائي.
- الجرائم الخاصة بإقامة الأجانب وبالهجرة  غير الشرعية بالمغرب :  القانون 02.03 .
- الجرائم المرتبطة بالتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية وأخذها وزرعها : القانون 98-16.
كانت هذه بعض حالات الاتجار في البشر التي تستهدف النساء والأطفال بالأساس والتي عالجها عرضا المشرع المغربي ليس كجرائم عبر وطنية، ولكن كجرائم قد ترتكب فوق التراب الإقليمي للمملكة المغربية.
إلا أن  المتابعة بشأنها ممكن انطلاقا من الاستثناءات المقررة على مبدأ إقليمية النص الجنائي المقرر في المادة 10 من القانون الجنائي والذي من  شأنه أن  يجعل العقاب يطال الجناة  حتى ولم ارتكب الفعل خارج التراب المغربي، وبصرف النظر عن جنسية الجناة، وهو ما يعرف بشخصية النص الجنائي وعينية النص الجنائي.
ويستوي في ذلك، أن يكون الجاني شخصا طبيعيا أو شخصا اعتباريا طالما أن المشرع المغربي قد اعترف بمقتضى المادة 127 من القانون الجنائي بمسؤولية الشخص المعنوي.
وجرم المشرع المغربي المحاولة واعتبرها جريمة مستقلة وقائمة الذات ونظم أحكامها من خلال المواد 114 و115 و116 من (ق ج)، كما ميز بين الفاعل الأصلي والمساهم والمشارك في الجريمة من خلال المواد 129 و130 من (ق ج).
     أما ما يتعلق بالعقاب ففضلا عن العقوبات الجنائية أو الجنحية الأصلية المقررة في القانون الجنائي، أخذ المشرع المغربي ببعض العقوبات الإضافية التي تنسجم مع طبيعة الشخص المعنوي من ذلك الفقرة 6 من الفصل 36 والفصل 47 من القانون الجنائي، كما أخذ بالتدابير الوقائية سواء كانت شخصية كسقوط الولاية الشرعية على الأبناء المقررة في الفصل 61 من القانون الجنائي أو عينية مقررة في الفصول 60 و90  من القانون الجنائي، كما أخذ بظروف التشديد التي من شأنها أن تشدد العقوبة في حق الجاني .
ولنا أن نتساءل هل المغرب في حاجة إلى صياغة نص خاص بالاتجار في البشر على غرار بعض القوانين العربية كمصر ولبنان والجزائر والإمارات العربية المتحدة، رغم وجود مقتضيات متفرقة تجرم وتعاقب على نفس الأفعال  المكونة للظاهرة؟
الملاحظ أنه رغم أن أهم صور الاتجار في البشر معاقب عليها في قانون العقوبات المغربي سواء تعلق الأمر بالقانون الجنائي العام أو ببعض القوانين الجنائية الخاصة، سيما الجرائم التي تمس الأطفال والنساء ( أنظر مثلا الفقـرة 1 و2 و3 و4 المضافــــــــة إلى الفصل 467 من ق ج، والفصل 497 و 498 و499 من القانون الجنائي والفقرة 1 و2  المضافة إلى الفصل 499 من ق ج، والفقرة 1 المضافة للفضل 501، والفقرة 1 المضافة إلى الفصل 503من القانون  الجنائي )، إذ لا يتأخر المغرب في ملاءمة تشريعه الوطني مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، وذلك بإضافة فقرات للنص الجنائي الحالي، ليصبح قابلا للتطبيق على ما هو مستجد من الصور الإجرامية في إطار احترام  دائم لمبدأ الشرعية الجنائية لا جريمة ولا عقاب إلا بنص؛ قلت بالرغم من كل ذلك، فإن المغرب مدعو اليوم إلى صياغة نص خاص يجرم ويعاقب الاتجار في البشر على غرار باقي الأنظمة العربية  المقارنة، سيما أن  صور الاتجار في البشر التي تهدد الإنسانية هي في تطور مضطرد نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :
الدعارة.
الزواج بالإكراه والغصب.
الزواج الصوري.
التسول.
السخرة أو ما يعرف بالعمل القسري.
 تشغيل القاصرات في المنازل.
 السياحة الجنسية التي تستهدف الأطفال الصغار.
 الاتجار في الأطفال واستغلالهم في الممارسات الإباحية.
الاتجار في الأعضاء البشرية.
الهجرة السرية.
استخدام الأطفال الصغار في السرقات.
العبودية داخل المؤسسات السجنية.
بقيت الإشارة في الأخير إلى أن المشرع المغربي وإيمانا منه بأن جرائم الاتجار في البشر هي جرائم عابرة للحدود أو ما يعبر عنه بعض الفقه بالجرائم عبر وطنية، بحيث تنشط شبكات دولية في مجال الاتجار في البشر بمختلف صوره كالدعارة والهجرة غير الشرعية ونزع الأعضاء البشرية بقصد زرعها ...، قلت فإن المشرع المغربي غير متمسك  كما سبق بيانه بمبدأ إقليمية النص الجنائي المقرر في الفصل 10 من القانون الجنائي مما سيسمح بالمتابعة بشأن جرائم عبر الوطنية، ونستدل على ذلك بما ورد في الفصل 500 من القانون الجنائي التي جاء فيها :» يحكم بالعقوبات المنصوص عليها في الفصول 497 إلى 499 ولو كانت الأفعال المكونة للجريمة قد ارتكب خارج المملكة «.

بقلم:    يونس العياشي, قاض ملحق بوزارة العدل والحريات - دكتور في الحقوق

أضف تعليق


كود امني
تحديث