دراسة في القانون: مآل المحاكم التجارية والحوار حول إصلاح منظومة العدالة 2/2

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

تطلعنا الندوة التاسعة التي انعقدت في طنجة حول موضوع تأهيل قضاء الأعمال، أن المحاكم التجارية المغربية، بعد الحوار الوطني
حول إصلاح العدالة لن تكون حتما كما كانت قبله، إذ حصل إجماع على فشل تجربة القضاء التجاري، وأن الجميع
أقر ضرورة الانتقال إلى وضع جديد لأسباب تعود إلى ضعف وتعقد وغموض ونقص النصوص القانونية.

على القضاة أن يكونوا فاعلين في ترسيخ كلمة القانون في الأذهان والحفاظ على النظام الاقتصادي من المقاولين أنفسهم والأغيار الذين قد يسيئون الى المقاولة منذ نشأتها، وفي سائر مراحل نشاطها وتمديد المسطرة الجماعية أو تحريك الدعوى العمومية في حقهم دون متابعتها أو سقوط أهليتهم التجارية، كلما استدعى الأمر واقتضت المصلحة العامة، وذلك اعتمادا على نتائج المراقبة المستمرة للقانون الأساسي للشركات وتتبع نشاط المقاولة عبر البيانات المدونة بالسجل التجاري، وبمكتب الملكية ومصالح الخزينة العامة والضمان الاجتماعي وتقارير مراقب الحسابات.
ولا يخفى على الجميع بأن القانون التجاري يقوم على دعامتين أساسيتين:
أولا: السرعة وتبسيط الإجراءات. ثانيا: تكريس الثقة والشفافية لا الاعتقال.
إن تنوير المحكمة بالبيانات والمعطيات المحاسبية والإلمام بالتنظيمات وقوانين البنوك والمؤسسات المالية والبورصة والشركات والمجموعات ذات النفع الاقتصادي وقانون المستهلك والتأمينات بمختلف أنوعها، وحرية المنافسة والأسعار وقانون الملكية الصناعية وربط الاتصال معلوماتيا أو بطريقة مباشرة بكل المصالح المختصة والجهات الخصوصية والعمومية ومتابعة الملفات التجارية والاستعجالية والمساطر الجماعية ومراقبة السجل التجاري وممارسة الطعن بالاستئناف أو النقض، إذا كانت طرفا رئيسيا (مدعية أو مدعى عليها) كلها أعمال تتطلب من النيابة العامة بالمحاكم التجارية العناية والاهتمام البالغين، والهندسة في الاتجاه الذي يخدم المصلحة العامة بأكثر جدية ومصداقية وعدالة قانونية وواقعية، وتكريس التتبع والمراقبة التي قمنا بها يوم طلبنا من كل الأجهزة تبليغنا بكل التقارير الصادرة في المسطرة لإبداء موقفنا منها لفائدة القانون والمصلحة الاقتصادية، وتدعيما لدور غرفة المشورة في المساطر الجماعية حددنا المهام الذي يتعين القيام بها بالجلسة التي تعقدها وتوفر لها العناصر الكافية لمعرفة الوضعية الحقيقية لكل مقاولة ووضع حد لكل من يريد استعمال هذه المسطرة الإنقاذية والتصحيحية استعمالا لا يحقق غاية المشرع في المحافظة على بقاء المقاولة وتحقيق التوازن المنشود والمصلحة العامة، في إطار التسيير المعقلن الذي يضمن تسريع وتيرة الاستثمارات وخلق مناصب الشغل.
ولم نكتف بهذا، بل بكل تواضع وبذل للجهد والعطاء ألفنا كتابا لأول مرة في المغرب تحت عنوان المسؤولية المدنية والمهنية والجنائية لمسيري ومتصرفي المقاولات في حالة تعرضها للصعوبات، وأعددنا دليلا تطبيقيا للقضاء الاستعجالي المغربي في المادة التجارية سنة 2001 و2007 وكان هدفنا من كل هذا هو وضع منهجية دقيقة ومعقلنة من أجل توحيد الاجراءات ورصد المشاكل لينخرط الجميع بكثافة في صلب معركة التنمية، وأن يقتنعوا بضرورة المخاطرة و خاصة الدائنين البنكيين والممولين في تمويل المقاولات في وضعية صعبة، وانصهار الدولة في فلك التطور السريع والهادف وملاءمة العقلانية مع متطلبات العصر وتأسيس رؤساء المقاولات لمقاولاتهم على دعائم وأسس لا تقل أهمية عن مقاولات الدول المتقدمة واعين بحقوقهم وواجباتهم منضبطين في حضرة زمن القانون وسيادة العدل والمحاسبة، بمساعدة الدولة.
إن الظرفية الاقتصادية العالمية الحالية، قد يكون لها تأثير سلبي على الميزانيات العامة وعلى اقتصاديات الدول، وعلى معدل النمو وتنافسية المقاولة، وتساهم في تزايد عدد القضايا وتنوعها وتعقدها، وهو ما يجعل اليوم وعينا عميقا بأهمية العدالة كقاطرة تنموية على أكثر من صعيد وبنبل الرسالة وجسامة المسؤولية على استتباب الأمن وتحقيق الإصلاح الذي هو توطيد الثقة والمصداقية في قضاء تجاري محترف وفعال يفهم جيدا ميكانيزمات العمل التجاري والتقنيات البنكية والمالية والتقنيات المرتبطة بها، وأسرار وخصوصيات المجال الجوي والبحري والنقل والملكية الصناعية والمنافسة وقوانين الشركات، والقانون الجمركي والضمان الاجتماعي، وقانون الشغل والتأمين والقانون الضريبي.
قضاء منصف وحصن منيع لدولة الحق وعماد للأمن القضائي والحكامة الجيدة، كما أكد ذلك النطق السامي لصاحب الجلالة محمد السادس.
وبخصوص التبليغ والتنفيذ، أوضحنا المنهجية لتسريع مسطرة القيم وعدم اعتبار هذا التعيين بمثابة توصل وترتيب الآثار القانونية على المعني به. واليوم نؤكد بأن التبليغ عموما وتطوير آلياته والحد من معوقاته التي تحول دون تنفيذه، مطلب أساسي أمام حكماء الهيأة العليا للحوار الوطني ولا يقل أهمية عن التنفيذ باعتباره غاية إصدار الحكم للطرف المحكوم له فإنجازه في الوقت المناسب هو الذي يحفظ لهذا الحكم قدسيته وقوته.  واقترحنا تبني مؤسسة المنتدب القضائي المثمن بشروط تضمن الحلول المناسبة لكل الإشكاليات المطروحة وتنظيم سوق رسمي دائم يحقق منفعة مالية للدولة وتعزز الثقة لكل من يريد الاستثمار في هذا البلد.
وفي الأخير أتمنى لكل السياسيين كانوا في الحكومة أو في المعارضة التوفيق في التنظيم والتنسيق وبلوغ الأهداف المرسومة بمقتضى الدستور والعمل على إعادة النظر في أي نص قانوني أو تنظيمي أو مرسوم يتعارض أو يتقاطع مع المساطر الجماعية والدفاع عن التخصص والمهنية والتشجيع على الوسائل البديلة وإصدار قوانين ذات جودة ونجاعة اقتصادية وعدالة وقادرة على مواجهة الظواهر ووضع الآليات الموضوعية في الميادين المراد تنظيمها، في مجال قانون المال والأعمال وإعداد تنظيم خاص بمهنة الوسطاء والمحكمين.
وأدعو أخواتي وإخواني القضاة بدون استثناء أن تكون تطلعاتهم غير مختلفة بخصوص التكوين والتأهيل لتطبيق القانون بطريقة حسنة وضمان المساواة والعدل والمساهمة بواسطة الاجتهاد، في إكمال نقائص القانون والدفاع عن استقلاليتهم التامة تفعيلا للدستور تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة.

بقلم: عبد العالي العضراوي, باحث (فاس)