دراسة في القانون: تصورات حول نجاعة العدالة الجنائية الحلقة السادسة)

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

التسرع في المتابعة والاعتقال وإنزال العقوبات يحد من نجاعة العدالة الجنائية

رغم أن العدالة هي قيمة إنسانية تختلف عن كل التصورات الاقتصادية التي تعتمد وسائل العمل والإنتاج والكلفة والجودة، فإن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
والتكنولوجية التي عرفها العالم، وحاجة المواطن إلى عدالة ناجعة وجيدة،كلها وغيرها أسباب دفعت إلى تفكير الفقه والمسؤولين
الحكوميين والقضائيين، بالمغرب وخارجه  في إعمال تلك التصورات على العدالة الجنائية.

 ثالثا: بدائل الدعوى العمومية والاعتقال والعقوبة السالبة للحرية  لقد أكد الخطاب الملكي ليوم 20/8/2009 على "تطوير الطرق القضائية البديلة، كالوساطة والتحكيم والصلح، والأخذ بالعقوبات البديلة، وإعادة النظر في قضاء القرب." وإذا كان من شأن التسرع في المتابعة وفي الاعتقال وفي إنزال العقوبات غير ذات الجدوى، أن يسهم في الحد من نجاعة العدالة الجنائية، ويزيد في بطئها، فإن كل المتدخلين في ندوات الإصلاح، أكدوا أنه "قد آن الأوان للخروج من العقوبات التقليدية والانخراط في الأنظمة العقابية الحديثة "، ولتطوير خيارات السياسة الجنائية نحو البدائل، التي يمكن القول أن هناك ستة أنواع منها، بدائل للجريمة نفسها عن طريق تهييء سبل الوقاية منها، وهو ما سبقت الإشارة إلى بعضه، وبدائل للدعوى العمومية (عدم تجريم  بعض الأفعال dépénalisation la، الصلح الجنائي، أو العدالة الرضائية أو التفاوضية والوساطة الجنائية والتسوية الجنائية والأمر الجنائي وكالوساطة-تعويض...) وبدائل للاعتقال (كفالة، مراقبة قضائية...) وللعقوبة السالبة للحرية (كل العقوبات البديلة الممكنة) وبدائل لإتمام العقوبة (العفو، الإفراج المقيد بشروط) وبدائل للعودة الى الجريمة عن طريق التتبع وتيسير سبل اعادة الإندماج (تيسير وتبسيط مسطرة الحصول على رد الإعتبار وتقصير آجالها (كورقة لا تتضمن أي سوابق) وكواقع عن طريق التحسيس والتوعية بأن من قضى السجن لا يجب نبذه وارجاعه الى الجريمة. الخلاصة هي أن المواطن لا ينبغي أن يقع في مخالب الجريمة، وإن هو وقع فلا ينبغي أن يتابع لأي سبب، وإن هو توبع فلا ينبغي أن يعتقل لأي سبب، وإن هو اعتقل فلا ينبغي أن تداس كرامته بسبب أو بدون سبب، ما يقتضي محاربة الهشاشة والفقر والتفاوت الطبقي بالجدية اللازمة، والبحث عن كل البدائل الممكنة، في التشريعات المقارنة وحتى التي يمكن التفكير فيها، للخروج بنماذج عقوبات بديلة مغربية، مع الاقتناع في الوقت نفسه، وللتذكير، بأن العقوبات التي قد تبدو قاسية باعتبارها عقوبات متوسطة المدة لبعض الجنح وبعض الجنايات المأمول تجنيحها، أضحت ضرورية، لتمكين المحكوم عليه من حقه في الاستفادة من برامج التكوين وإعادة الإدماج ( الفصل 23 من الدستور) ولضمان الردعين العام والخاص وحماية المجتمع من الفوضى والتسيب. أما بخصوص ضرورة تبسيط وشفافية المساطر، فهو ما يقتضي مراجعة قانون المسطرة الجنائية بما يعطي للإعلاميات مكانها ضمنه، من جهة، ومراجعة أوجه التعقيد والغموض التي تشوبه، وهي كثيرة، نورد منها على سبيل المثال، قضاء القرب، غير الواضحة اختصاصاته، والمتداخلة مع اختصاصات المحكمة الإبتدائية، الأمر الذي يرهق المتقاضي والقضاء على السواء، ما يقتضي إعادة النظر في ذلك القضاء، ومسطرة الشكاية المباشرة وما يكتنفها من غموض بسبب سكوت المشرع عن بيان شروطها الشكلية والمالية، ما يفسد على الأشخاص الوصول الى حقوقهم، ومسطرة الإدماج وما يحوطها من تأويلات مختلفة بين هذه النيابة العامة وتلك وهذه الغرفة الجنحية والأخرى، ومسطرة العفو التي ما زال المواطن يحمل في ذهنه، خطأ، ضرورة التنازل عن طرق الطعن للاستفادة من العفو الملكي، ولا يزال المستفيد من العفو الملكي الذي طعن بالنقض ليصل إلى حقه المشروع، في جوهر متابعته، يواجه بقرارات محكمة النقض التي تصرح بأن طعنه أصبح غير ذي موضوع، مع أن صاحب الجلالة لم يقصد من عدم استمرار سجنه حرمانه من حقه المشروع في الوصول الى براءته، والأمثلة كثيرة جدا، يضيق المجال عن سردها. رابعا -  ضرورة تحديد آجال معقولة لكل إجراء من إجراءات العدالة الجنائية  فاعتبارا لما يوجد من تلازم وارتباط بين الجريمة والعقوبة وبين السياسة الجنائية والسياسة العقابية، فإن عدم بطء الإجراءات الجنائية يلبي الحقوق كلها، فهو يستجيب لحق المتهم في أن يحاكم خلال مدة معقولة، ولحق الدولة في العقاب وفي تحصيل الغرامات والأموال المحكوم باسترجاعها، وحق المجتمع في أن يحصل على الردعين العام والخاص، كما أنه يحقق مصلحة الضحية الذي يشعر بشيء من الطمأنينة عند الإسراع بمعاقبة الجاني، فضلا عن إمكانية منحه تعويضا يرمم الضرر اللاحق به، في أقرب وقت ممكن .  وقد لاحظ بعض المتدخلين أنه "لا تتوفر أي دراسة حديثة واقعية عن أعمار الملفات بالمحاكم، وباستثناء قضايا المعتقلين التي تعرف سيرا طبيعيا ( غير بطيء) سيما في المحاكم الابتدائية، فإن باقي القضايا تعرف بطءا ملحوظا، أو على الأقل تشهد فوارق كبيرة بينها حيث تحكم بعض القضايا داخل بضعة أسابيع في حين يستغرق البت في قضايا أخرى عدة سنوات". ولا بد من الإشارة، في هذا الإطار، إلى أن ديباجة القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية كانت قد تضمنت أن من بين وسائل تعزيز وتقوية ضمانات المحاكمة العادلة " تحديد آجال لإنجاز الإجراءات القضائية وللبت في القضايا لتحقيق السرعة والفعالية في أداء العدالة الجنائية، سيما في قضايا المعتقلين ..." تمت مراجعة بعض آجال رد الإعتبار بتخفيضها على نحو يكفل إعادة إدماج الأشخاص المستفيدين منه في المجتمع. "... أو لكون الآجال المسطرية طويلة أو غير محددة بالمرة "  كما أن مدير الشؤون الجنائية والعفو، لم يفته التأكيد، من جهة،  على ضرورة  "تحديد آجال للبت في قضايا المعتقلين ولتداولها بين المحاكم "،  ومن جهة أخرى،  على تجهيز ملفات المعتقلين للبت فيها في الإبان " وبأن " القانون لم يحدد أجل الاعتقال الاحتياطي خلال مرحلة المحاكمة، على خلاف فترة التحقيق التي حددت فيها مدة الاعتقال في ثلاثة أشهر كحد أقصى في الجنح وسنة كحد أقصى في الجنايات وأكد متدخل آخر على ضرورة "مراجعة آجال الاعتقال الاحتياطي والمراقبة القضائية في اتجاه التقليص منها وتحديد الآجال القصوى لإنهاء التحقيق في قضايا غير المعتقلين". ولم يبق الأمر مقتصرا على ديباجة قانون، بل سما الى مصاف القاعدة الدستورية، فجاء الدستور بمقتضيات جديدة بنصه في الفصل 120 منه على أنه: "لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول ". وهذا التنصيص يساير كل المواثيق والعهود الدولية بخصوص حق الإنسان في أن تعرض قضيته في أسرع وقت على القضاء، ومن ذلك المادة 3-9 من الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية الناصة على "حق كل شخص قبض عليه أو تم حبسه احتياطيا في أن تعرض قضيته في أسرع وقت ممكن على القضاء، وعلى "حق كل شخص متهم  أن يحاكم خلال مدة معقولة أو يطلق سراحه، وفي ذات الإتجاه الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان في المواد 3-5 و1-6 و3-5 .   ويقتضي تفعيل الفصل 120 من الدستور، ومواكبة التشريعات المقارنة، إعادة النظر في الوضعية التي يوجد عليها عمر الملفات المعروضة على القضاء، حيث يعرف بعضها سيرا عاديا، رغم إكراهات التضخم الذي تعرفه القضايا الزجرية بوجه عام، بينما يطول أمد بعضها الآخر، قبل الفصل فيه بصفة نهائية، مما يسبب للمتقاضي ولخزينة الدولة أضرارا جسيمة، ويسم العدالة الجنائية بالبطء وعدم النجاعة، الأمر الذي يقتضي وضع ميقات معلوم لكل عمل قضائي أو إجراء من الإجراءات.  فالمحامي ملزم بأن يرفع ما كلف به من شكايات ومستنتجات إلى الجهة القضائية المختصة بما يلزم من السرعة، في حدود عدم الإخلال بالجودة المطلوبة. والضابطة لا يعقل أن يبقى عملها خارج إطار الزمن، فكثير من الشكايات بقيت برفوفها حتى لحقها التقادم، رغم كون السبب في ذلك يرجع أحيانا إلى قلة التتبع والرقابة من طرف سلطة القضاء، وأحيانا أخرى إلى النقص في الإمكانيات المادية والبشرية، الأمر الذي ينبغي إيجاد حلول آنية له عن طريق توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، مع تحديد آجال معينة لا ينبغي أن يتجاوزها الملف لدى الضابطة، تحت طائلة المحاسبة المسلكية والجنائية.

بقلم: طيب محمد عمر, المحامي بهيأة الدار البيضاء